آراء و مقالات

للعطر افتضاح- الفاخر.. بالفواخر- د. مزمل أبو القاسم

* في السادس عشر من شهر يونيو الماضي أكملت وزارة الصناعة والتجارة تسجيل وإيداع شركة جديدة، حملت اسم (الشركة السودانية للسلع الاستهلاكية)، المملوكة بنسبة (80‎%‎) لوزارة الصناعة والتجارة و(20‎%‎) لوزارة الصناعة، والغريب في الأمر أن تكوين تلك الشركة تم سراً بلا سابق ولا لاحق إعلان، وأشرف على إجراءات تسجيلها الأستاذ عباس عبد الباري عباس المحامي بالخرطوم، بوجود إدارة قانونية كاملة الدسم في وزارة الوزارة المالكة لغالب أسهم الشركة.

* كان الخطوة غريبة ومثيرة للحيرة، لأنها تمت في وقتٍ تسعى فيه الدولة لنفض يدها من السلع الاستراتيجية تماماً، بتحرير أسعار البنزين والجازولين والغاز والخبز، وترك تسعير تلك السلع لآلية السوق، لتكتفي هي بالرقابة والتنظيم فحسب.
* وزارة التجارة تسعى للتجارة في السلع الاستهلاكية، بوجود حكومة تريد أن تحرج من سوق السلع الاستراتيجية.. عجبي ويا للعجب!!
* في الحوار الذي أجريناه مع الأستاذ مدني عباس وزير الصناعة والتجارة علل الخطوة برغبتهم في استغلال نشاط الشركة لدعم التعاونيات، مؤكداً أنها ليست ربحية، ولم يكن رده مقنعاً، لأن الشركة تجارية (ومحدودة)، والشركات تتاجر أصلاً كي تربح، وتستغل أرباحها لتطوير نشاطها، وتغطية منصرفاتها، كما إن تمليك المالية جانباً من الأسهم دلَّ على أن تمويل نشاط الشركة سيتم من المال العام.
* حالياً توجد جهتان تسعيان إلى الاتجار في السلع الاستراتيجية والاستهلاكية، وهما الشركات والبنوك المكونة لمحفظة السلع الاستراتيجية التي أنشأتها لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة الفريق أول حميدتي، وثانيهما الشركة التجارية التي أنشأها وزير التجارة.. فهل كان لذلك الواقع العجيب أي دور في الهجوم العنيف الذي شنَّه حميدتي على مدني في المؤتمر الصحافي الأخير؟
* الحقيقة تؤكد أننا أمام مشهد اقتصادي بالغ القتامة.. مشهد مرتبك و(مجوبك) من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، تسيطر عليه آلية طوارئ اقتصادية يقودها عضو في مجلس السيادة، وتتولى إدارة الاقتصاد بالكامل، وتتحدث عن اعتزامها استيراد السلع الاستراتيجية والسيطرة على إنتاج الذهب وتصديره والتحكم في إنتاج شركاته، بوجود مجلس كامل للوزراء وعدة وزارات للقطاع الاقتصادي (المالية والتجارة والصناعة والطاقة)، علاوةً على البنك المركزي.
* فهمنا من تكوين الآلية، ومن بعدها المحفظة أنها ترغب في إنعاش خزائن المالية العاجزة حتى عن سداد المرتبات (البند الأول)، ومساعدة الدولة على توفير التمويل الغائب، لضمان انسياب السلع الاستراتيجية من وقود وقمح ودواء وخلافه، وصدقنا ما ذكره حميدتي عن إن تلك المحفظة ليست ربحية، ثم فوجئنا برسوبها في الامتحان الأول، عندما طالبتها وزارة المالية بتوفير مبلغ (78) مليون دولار لاستيراد الوقود قبل أيام قليلة من الآن، فاشترطت عليها المحفظة تسديد المقابل بنسبة (110‎%‎) بالعملة المحلية (وبسعر السوق السوداء) قبل فتح الاعتماد، مع التعهد بتحمل فروق سعر الدولار عند استلام مستندات الشحن!!
* الأدهى والأمَرْ أن المحفظة المبجلة اشترطت على طالب فتح خطاب الاعتماد أن يتحمل كامل الرسوم المصرفية وتكلفة التمويل الناجمة عن استغلال خطاب الاعتماد.
* آلية الطوارئ الاقتصادية الراعية للمحفطة تريد من المالية أن تسدد لها قيمة الدولارات التي توفرها للاستيراد بسعر السوق السوداء.. وتتشدق بالسعي لمحاربة السوق السوداء للدولار.. عش رجباً ترى عجباً!!
* ليتها اكتفت بذلك، لأن المحفظة اشترطت على المالية اطلاع لجنة عطاءاتها على تفاصيل العروض المقدمة للاستيراد من حيث الأسعار والكميات، وذلك يعني أن الشركات والبنوك المشاركة في المحفظة ستتدخل وتتحكم في كل تفاصيل العطاءات الحكومية بمخالفة فادحة لكل القوانين واللوائح التي تحكم العطاءات الحكومية.
* جيناك يا عبد المعين تعين!
* نسألهم: ما الذي يدفع المالية إلى طلب تمويل استيراد السلع الاستراتيجية من الآلية والمحفظة إذا كانت الوزارة قادرة على تحمل قيمة تلك السلع بنسبة (100‎%‎)، ناهيك عن (110‎%‎) المطلوب سدادها للمحفطة بنظام الدفع المقدم؟
* لو حدثت تلكم المسخرة فسنكون قد استبدلنا (الفاخر) بمجموعة من (الفواخر)، وسيتسبب ضخ النقد المحلي بالتريليونات للمحفظة في زيادة الضغط على سوق الدولار، ليواصل تحليقه العالي، مثلما فعل عندما تورطت مالية البدوي في اتفاقها المشؤوم مع شركة الفاخر، بادعاء أنه سيخفض سعر الدولار إلى ستين جنيهاً، وكان ثمنه وقتها في حدود الثمانين، فطار حتى بلغ المائة وخمسين، وطار معه البدوي طيرة الريش من الدريش.
* لو أقرت السيدة هبة (وزيرة المالية المكلفة) هذه الشروط المجحفة والغريبة والمريبة (والمخالفة لقانون الشراء والتعاقد لعام 2010) وسمحت للمحفطة المكونة من شركات تتبع للقطاع الخاص بالتدخل والتحكم في العقود الحكومية فستلحق بسلفها قريباً، وستضطر إلى أن تشكو حالها ومآلها، وتعزِّي نفسها بمقالٍ باكٍ وحزين، كالذي دوَّنه سيدنا البدوي بعد أن فارق الوزارة.. (فراق الطريفي لي جملو)!


انضم لقروب النورس نيوز على واتسب 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *