صندوق الصادرات الاستثماري
آراء و مقالات

همس الحروف _ (هل الإقتتال الذي يدور في بعض مدن السودان بدوافع القبلية ؟) _الباقر عبد القيوم علي

عرف عن السودان منذ القدم بمزيجه الاجتماعي و تنوعه الثقافي و تعدد لغات و لهجات سكانه ، إذ يشكل هذا الخليط المتجانس لوحة رائعة الجمال في صيغ مقدرة هذا الشعب على الذوبان في كافة المجتمعات التي يتكون منها وكما له المقدرة في التعايش السلمي الفريد من نوعه و الذي يعتبر أن كل المواطنين عبارة عن أسرة واحدة يعيشون في بلد غني بالتنوع في مناخه الذي يشكل أيضاً لوحة أخرى .. ولكن بدأت مؤخرا تظهر على السطح بعض بوادر الفتن التي سعت بعض الجهات لإستثمارها و تضخيمها من أجل الكسب السياسي الرخيص الذي يعتمد على مبدأ فرق تسود .. ونجده يوطن لبعض هذه المشاكل بإعتبار أنها مشاكل قبلية في أكثر مناطق السودان التي إشتهرت منذ الإستقلال بهذا التعايس السلمي بين مكونات هذه المدن السكانية و كما نجد أن هنالك تجانس فريد في مكونات هذه المجتمعات في تلك المناطق التي إستطاعت أن تذوب القبيلية مثل مدينة أمدرمان و كوستي و سنار و مدني وكامل الجزيرة و بورتسودان وكسلا و كثير من مدن السودان فحينما تسأل أحد الناس وتقول له من أين الأخ فحينها سوف يرد ويقول أنا من الجزيرة .. فهنا ينتهي السؤال الذي يليه و ليس هنالك أي مجال للسؤال عن قبيلته و كما ليس هنالك أي تمييز بين القبائل التي تسكن في تلك المدن و المناطق

ما يحدث الآن من صراعات في هذه المدن في الغالب تكون بدايتها بين شخصين أو أكثر بسبب سوء فهم معين أو بسبب شروع أحد أطراف النزاع في جريمة سرقة أو خلاف ذلك فتنشأ مشلكة بسيطة تتطور حينما يتدخل فيها بعض الأصدقاء و الأهل لمناصرة أحد أطراف النزاع فتتطور المشكلة فيما بينهم وتفسر بعد ذلك بأنها مشكلة بين قبيلتين تفسيراً خاطئاً فتنزع روح التعايش السلمي و التسامح والمحبة بين الناس ويساعد على ذلك الإعلام الغير مسؤول في تصوير مثل هذه القضايا بأنها قبلية وهي في الأصل هي عبارة عن مشكلة شخصية نشأت بين شخصين أو أكثر

ما يعمق خطورة هذه القصص هو عدم الوعي السياسي عند الكثيرين من الساسة و التنفيذيين الذين يتعاملون مع هذه الخلافات الشخصية بعدم وعي سياسي و خصوصاً ان معظمها يعد جرائم وقعت بين أفراد و من المفترض أن يحاسب القانون فيها الجاني .. ولكن نجد هؤلاء الساسة قد ذهبوا بعيداً في مسارح أخرى في أمور تعقد المشهد .. و كما نجدهم يذهبون إلى أبعد من ذلك بوعودهم لأطراف النزاع بجبر الضرر الذي حدث للطرفين من خلفيات هذه الجرائم .. وهذا ما قد يشجع آخرين للقيام بنفس نوعية هذه الجريمة في منطقة أخرى فيما بعد .. ولهذا يجب علي الدولة ضبط قاشها و حزم أمورها داخل المواعين العدلية و إظهار هيبة الدولة وحسم هذه التفلتات الخارجة عن القانون وعدم إعطائها البعد القبلي لأن مثل هذه الجرائم لا تقرها أي قبيلة و التي قد تنشأ من السلوك الغير سوي للأفراد أطراف النزاع .. و لهذا يجب على الدولة النأي بنفسها بعيداً و عدم فتح أي باب من أبواب جبر الضرر لأطراف النزاع لأن مثل هذا الجبر سوف يفتح شهية الغير لفعل نفس السلوك المنحرف الذي يخالف القانون*

الوفود الحكومية التى تغادر العاصمة من أجل فض مثل هذه النزاعات بدافع حسم الجريمة أو إزالة الخلافات الشخصية أو وأد الفتنة التي نشأت منها هذه الجرائم والتي في الأصل لا تقرها أعراف أي قبيلة سودانية و كما تشكل مهدداً قوياً لهدم روابط القبائل والسلم المجتمعي بين أفرادها .. و دائماً ما يعضض تلك المشاكل ويخمرها في عقول فاعليها هو الإعتقاد الخاطئ من الذين يمثلون الدولة بأن هنالك مشاكل قبلية بين أفراد مكوناتها .. فيخرج هؤلاء الموظفون بدافع جلب الأمن والإستقرار ولكن المحصلة الأخيرة تكون هي مغادرة الأمن والأمان من المناطق و فقدان السلم المجتمعي الذي يغادر هذه المدن بمجرد وصول دعاة السلام إليها لأنهم سوف يعمقون الخلاف بين القبائل بإعتقادهم المغلوط الذي يجسد إليهم أن هذه المشاكل هي عبارة عن مشاكل قبلية وهي في الأصل جرائم كانت دوافعها شخصية


انضم لقروب النورس نيوز على واتسب 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *