صندوق الصادرات الاستثماري
آراء و مقالات

وحي القلم _ التهريب والفساد _ نسرين الحكيم

هذا العنوان ليس من وحي خيالي بل هي الحقيقة،
الحقيقة التي يعلمها الكثير لكن الصمت هو ديدن
الحياة هنا في السودان، بلدي الحبيب الذي يمُارس
فيه كل أنواع الفساد من مؤسسات حكومية وخاصة،
لا أعلم لماذا نصمت عن جور الآخرين، حتى وإن كان
رئيساً للدوله أو مديراً لإحدى مؤسسات العمل؛ ومن
قال أن غير االله يخيف! ومن قال أن الأرزاق بيدِ غير
االله! ومن قال بذات الفساد سنعبر!؟
في طريق عودتي من بلدتي إلى العاصمة حيث العمل؛
وأثناء إستفحال أزمة الحظر،لم يكن أمامي خيار
سوى التعاطي مع حقيقة التهريب- وأي تهريب- هو
تهريب داخل بلدي وأنا هنا المُهرب وصاحبة الشأن.
يتم تهريبى لأســاهم في صناعة الــوعيّ ، في زمن
أصبح الكثيرون فيه مغيبون ومنسيون. أحسست
بالذنب في بادئ الأمر لسلوكي مسلك التهريب؛ ثم
أدركـت حقيقة أني لستُ وحدي من تعاطي وسيلة
التهريب، وأن كل ولايات السودان يمارس سكانها
التهريب للوصول لغاياتهم وشؤونهم الطارئة.
وعرفت أيضاً أن تلك المواصلات الممنوعه في العلن
تعمل بشكل طبيعي جـداً ، فقط تم تغيير الطرق
وزيـادة التعريفة. وقيمة الزيادة في التعريفة يتم
توزيعها على الـطـريـق،وهي ليست من بـاب عمل
الخير؛ بل كانت رشوة يتقاسمها رجال شرطة المرور.
ما أغضبني بشدة ليس الرشوة التي هي بالفعل
حرام؛ بل عدم الحياء والجهر بها وتناولها من قبل
رجال المـرور أمام نظر المسافرين. أضحكنا مشهد
جراءة بعض رجال المرور في تناول الرشوة؛ ولم يكن
لها. تهريب بشر وداخل دولتهم،وجهر بالرشوة!. ضحكنا فرحاً، بل كان حزناً على الحال التي وصلنا
نعم خرقت القوانين ذهاباًو إياباً لا أنكر ذلك، لكني
تعلمتُ أن القوانين الحكومية التي لايطبقها منسوبوا
الحكومة أنفسهم كيف لنا نحن المواطنين أن نطبقها!
نعم دهست القوانين وهربت كما البضائع بطرق لم
أراها من قبل كأنها تنتمي لبلد غير بلدي وقرىً ليس
لها من سبل الحياة شيء، أدركت أننا هنا فقراء حد
العدم، لا مياه ولا مدارس ولا مستشفيات.
في تلك العربة التي تحتوي على (١٤ (شخصاَ أغلبهم
نيام والآخرين يضعون سماعة الأذن،تملكني التفكير
كثيراً؛ لا أدري هل ينظرون إلى تلك الصحراء التي
لم نتجاوزها بعد، وهل يسمعون صوت المرأة التي
تتردد كلمات أغنيتها ( رجل التهريب تعال راجع)
من مسجل المركبة، أم هم بالفعل لايبالون بشيء وقد
تشابه عليهم البقر، وعندما رفع سائق العربة صوت
المسجل عالياً ،ومن ثم مسح على رأسه الأصلع مروراَ
بالشنب وأبتسم بسمةً فاتره؛ هنا تأكد لي تماماَ
إننا مسافرون في بلدنا(تهريباً) بطريقة لم يحكيها
التاريخ الحديث بعد.

نحنُ دولـه يكسوها الفساد من سبيبة رأسهـا إلى
أخمـص قدميها. نحن مواطنين تسوقنا العاطفة
والــولاء فقط لدولتنا التي فقدت مقومات الدولة،
وهذه العاطفة تقودنا نحو الهلاك. ثم في الحقيقة
نحن نعيش واقعاً بلا أمن، وبلا قوت، وبلا مياه،
وبلا كهرباء، وبلا مستشفيات. دولة أول من يخرق
القوانين فيها هم منسوبوا الحكومة أنفسهم. دولة
تباعدت فيها الـفـوارق الاجتماعية والاقتصادية
وانقسم المجتمع، ثم من نحن ياتُرى!
مع محبتي.


انضم لقروب النورس نيوز على واتسب 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *