آراء و مقالات

علي كل _ مات ابوي رضا ترحموا علي الصحة !! محمد عبدالقادر

ولان (الخال والد) فقد كان الاستاذ الراحل رضا علوب ( ابوي) ولا ازيد، بينه ووالدي (عبدالقادر الناظر) معزة غريبة جعلت حتي رائحة ملابسهم واحدة، كنت وانا معه اتنسم عطر ابي وفوح حديثه المشبع باللطف والفكاهة والوعي الرصين، اهرع الي جلبابه الابيض الناصع وعمته السويسرية اينما وضعهما لاستعيد عبر ذاكرة الانف ما يعبئ رئتي واتزود به قبل ان ( ارجع وانسجن) في زنزانة الحزن والاسف الطويل..لم اجد مثل (رضا علوب وابوي) في المواءمة بين الصرامة ، والتلطف ولين الجانب، يبدو ان هذه من طبيعة المعلمين القدامي.. ضبطهما غير مرة يرددان غناء عذبا ل( عثمان حسين)، كانت ( عشرة الايام وليه فجاة غير اسباب من غير عتاب او لوم ) حاضرة في سمرهما وانسهما مع حكايات المدارس وذكريات الداخليات وتطورات السياسة ، و(هلال مريخ) ونظريات التدريس، واسترجاع قوائم التلاميذ والمقارنة بين واقع التعليم ( زمان وهسة) .محبتي للخال الحبيب انتقلت الينا بالجينات، كنت استغرب طريقته مع شقيقته (الوالدة نفيسة) اخر عنقود (الحاج محمد احمد علوب) متعها الله بالصحة والعافية وهو ياتيها محملا بالاشواق والمودة ، يتعامل معها كطفلة صغيرة لم تشب عن الطوق بعد، حتي سؤاله حينما يلتقيك يحكي عن ( محبة عجيبة)، ( نفيسة كيف؟!).لكم تفيأنا ظلال حنيته ومحبته ونحن طلاب في الخرطوم التي جئناها غرباء في منتصف تسعينات القرن الماضي فوجدناه والدا وملاذا (ابوك وبربيك)..

الاستاذ رضا علوب ، (لبيس ومن هيئة التدريس) ، يحمل شخصية المعلم في كامل هندامها ورصانتها ووعيها وصرامتها واشراقها في النفوس، خريج كلية الفنون الجميلة، استاذ الانجليزي العتيق ، وكيل خور طقت في ازهي ايامها الخالدات ، ومدير التعليم في الخرطوم، واحد حداته الكبار في النيل الابيض، كان علامة متميزة للجودة في كل شي، وسامة الستينات البائنة ومسيرة الافندية ( التريانين)، علي ايام البنات بيغنن ( يا الماشي لي باريس جيب لي معاك عريس، شرطا يكون لبيس ومن هيئة التدريس)، نعم ( سيد العظمة مات وخلاني)  ، كان يصبرني علي فقد ابوي ، وغالبا ما ينهي مكالمته ب ( انا مشتاق ليك يا ولدي اغشاني)، بعد سلسلة من الدعوات..
يا الله ، كيف عجزت المستشفيات عن استقبال حالته ومنحه ما يستحق من الاهتمام والتطبيب وهو الذي دفع بخمس من ابنائه الي كليات الطب ، وخرجهم ( دكاترة)، وعلم غيرهم من ابناء هذا الشعب ، اسماء تسد عين الشمس، ما اروعهم ( ابناء خور طقت والدويم) وهم يحملون الجثمان علي كتوفهم والدمع هطال علي ثري (مقابر فاروق) يبلل الوجوه.حتي اسلم الروح العزيزة كنا نبحث ل( خالي) استاذ رضا، عن سرير في مستشفي محترم يقيل عثرة وظائف جسده التي كانت تتراجع علي راس كل دقيقة، مات رضا علوب بكل ما اعطي في سرير داخل مستشفي كبير، يمنحونك له زي ( العناقريب في قهوة ام الحسن) علي طريق الشمالية ، ليس هنالك دكتور  ولافحوصات او علاج او حتي (مونيتر) لقراءة لحظات التقدم والتراجع في جسد سقيم انهكه العراك مع المرض) ف( العفش داخل العنبر علي مسؤولية صاحبه).

اغمض الاستاذ رضا عينيه وحيلة ابنائه الدكاترة تقف عاجزة عن الحاقه بمستشفي في موسم الموت المجاني و(باي ثمن)، تخيل ان الطبيبات الثلاث اللواتي يداومن في المستشفي الكبير المخصص لامراض القلب والصدر متطوعات ( كتر خيرن) ، ويحملن تخصصات (العيون والنساء والتوليد والاسنان) ، عزيزي الرجل تاكد من انك (حامل) قبل ان تدخل هذا المستشفي لان التخصص المتوفر لدينا فقط ( النساء والتوليد).

كثير من السياسيين كانوا يزورونه علي ايام العز وسطوة الملك ويجدون عنده الدعاء والاحتفاء دون ان يطلب منهم شيئا سوى الحرص علي تفقد احواله، في حكومة واحدة كان لديه اكثر من سبعة تلاميذ في مجلس الوزراء، (حكايات )  وجدي الكردي وثقت حينها لاستاذ ( درس الحكومة) ، كان حفيا بتلاميذه اولاد خور طقت ( ياسر ميرغني ، واحمد هارون وغيرهم ودائم السؤال والاطمئنان عن ابنائه في النيل الابيض ، برفيسور ابراهيم غندور، والمتعافي، والسماني الوسيلة وغيرهم ممن استوزروا وصاروا مسؤولين كبار في الدولة من اقصي اليمين حتي نهاية اليسار ، كان طلابه يزورونه في منزله الكائن ب(الحلة الجديدة) حتي لكانك تشعر ان المنزل مسيد لشيخ كبير يتجمع حوله المريدون .

رحل (ركازتنا) وابونا واستاذنا وشيخنا وحبيبنا بذات الابتسامة الرصينة المثبته علي وجهه النضر ، منح الوطن كل شي ، واكتفي ب(شبر )  في مقابر فاروق، كان يحلم بوطن يوفر له جرعة دواء حين العسر واشتداد نوبات المرض، جرعة دواء ، وسرير في عنبر ( فيهو مروحة) ، بعد رحلة تزيد عن 50 عاما في مجال التعليم لم يجد الرجل غرس يده ، ومات بنقص في الاكسجين.

ابنه الدكتور معتز لم يكن مطمئنا علي صحة والده، لانه توسل اليه ان يحكي له نكتة فلم يستجب، لحظتها ابلغني معتز ان ابونا ليس علي مايرام، قبل ان يحمل الفحوصات الي المعمل درج معتز علي قياس العافية في جسد والده بقدرته علي استقبال  واعادة تصدير النكات، فقد كان ممراحا نقيا، محبا للضحكة والحكمة والمرح  والحكاوي رغم صرامته التي لا تغيب..

قبل ان انعي رضا خالي، انعي اليكم الصحة قي بلادي، لم اكن ادرك ان الوضع وصل الي هذا الحد من الانهيار واللامبالاة رغم فقدنا لاعزاء بسيناريوهات مشابهة والحمد لله. عزيزي القارئ المرض يعني الموت، احرص علي ان لا تحتاج للمستشفيات فالعلاج الوحيد الموجود في صيدلية الدولة هو (الموت )..
اللهم ارحم رضا علوب وتقبل منه والحقه بالصالحين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اكرم نزله ووسع مدخله وتوله مع الابرار، واعنا علي احتمال فقده فقد ( انكسر المرق) فعلا و( اتشتت الرصاص) و(مات البلم الناس).

نعم حبيبي وابوي الاستاذ رضا علوب

أيامك مضن متل البروق الرفن

كتر النوح عليك ترع العيون ما جفن

تاج عز الصداقة رقد معاك اتكفن

الجود والبشاشة اتقالدن واتوفن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *