صندوق الصادرات الاستثماري
آراء و مقالات

جنة الشوك- ورطة الإبتزاز الأمريكي.. ولسان جهنم – جمال علي حسن

ليس خطأً أن تتحرك القيادة السودانية الجديدة ودبلوماسيتها ( إن وجدت ) ، في معالجة العوائق التي تقف أمام رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لكن الخطأ كان ومايزال في منهجية عمل هذه القيادة التي اعتقدت منذ أول لحظة أن تثبيت الإدانة على النظام السابق في قضية المدمرة كول وقضية تفجير سفارتي كينيا ويوغندا واي قضية أخرى متهم فيها نظام البشير هو مفتاح العبور والإختراق في هذا الملف وغيره..

هذا هو اعتقادها بالفعل ، الحكومة التي بدأت تباشر التفاوض مع أسر الضحايا بحثاً عن تسوية للأمر دون محاولة تصفح ملفات هذه القضايا والتحرك من خانة الدفاع عن براءة السودان وليس تأكيد الإدانة .. والبدء من النقطة التي وصلت إليها الأمور ، وليس من نقطة البداية ..

تمت التسوية بخصوص كول مع أسر الضحايا وتم الإقرار بدفع مايزيد عن سبعين مليون دولار ، بل ودفعها بالفعل في وقت اقتصادي عصيب جداً كانت حكومة البلاد وشعبها في عرض دولار واحد لكمامة ملابس واقية لطبيب حتى يباشر عمله ، وكانت صفوف الأزمات ترسم لوحات تشكيلية على جدارية المعاناة القاتلة ..

أصرت الحكومة الشهر الماضي على فعلتها وعلى الدفع كاش ، وبرر ( المبرراتية ..) فعلة رئيس الوزراء بأنها بمثابة طوق النجاة وزانة القفز على حائط العقوبات وقائمة الدول الراعية للإرهاب ..

ودفعت الحكومة تلك الأموال .. ولم يرن هاتف الوزيرة المختفية تماماً وزير الخارجية بأي اتصال من رقم أمريكي ولا حتى رقم الفنانة شاكيرا وليس رقم شكر جزيل على الفعل ( النبيل ) الذي تم وبشارة بشطب الاسم من القائمة السوداء ..

وقبلها كان البرهان قد سكب ما تبقى من ماء وجه التاريخ الناصع لعاصمة اللآت الثلاثة وعانق نتنياهو .. ثم لم يحدث شيء بل تفننت الأزمات في شعبنا وكأنها تستحضر اغنية العملاق وردي ( عذبني وتفنن في ألوان عذابي ) ..

وفي فبراير الماضي أعلنت الحكومة السودانية، التفاوض مع أسر ضحايا تفجيري سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، في 1998، للتوصل إلى تعويض معقول.

حينها كان الحديث عن تعويض يبلغ 500 مليون دولار في قضية كانت محكمة امريكية عام 2017 قد أعفت السودان من تعويضات تأديبية مقررة .

لكن يبدو أن هرولة حكومة حمدوك وعدم امتلاكها خبرة في إدارة مثل هذه الملفات وهذا النوع من المفاوضات فتحت شهية الأمريكان لتنزل الكارثة الكبرى اليوم الإثنين على السودان وحكومته التي اعتمدت مبدأ منح شيكات تفاوضية على بياض لكل من لديه مزاعم واتهامات للنظام السابق في ارتكاب جرائم إرهابية ..

نهج تقديم الشيكات على بياض للحكومة الأمريكية جعلها تستلف لسان جهنم وتقول ( هل من مزيد ) لتسقط المحكمة العليا الأمريكية قرار المحكمة الأدنى التي اعفت السودان من دفع المبلغ قبل سنوات وتفرض يوم الإثنين تعويضات تزيد عن ستة مليارات دولار على السودان في تفجير سفارتي كينيا وتنزانيا .

قالها الكثير من الخبراء وقلناها هنا ، في هذه المساحة أن هذه التسويات ستفتح المجال لتسويات أخرى مشابهة وكما يقول المثل ( السبحة بتجر ) .

النهج الخاطيء في التعامل مع هذه القضايا الموروثة عاد بها وببلادنا إلى نقطة البداية .. فالحكومة تريد أن تخطب ود الأمريكان بسقف مفتوح من التنازلات والبصم على صحة أي اتهام واجهه النظام السابق ظناً بأن العالم سيتعامل مع السودان كدولة جديدة في قائمة الأمم المتحدة .

ضعف الخبرة وسوء التقييم والتشخيص للمشكلة والإندفاع الزائد مع غياب الدبلوماسية المحنكة النشطة كل ذلك يرمي ببلادنا في بئر أعمق من البئر التي سقط فيها النظام السابق حتى ولو كان هو المتسبب في المشكلة .

كما أن القراءة الخاطئة لحقيقة موقف الولايات المتحدة كانت نتيجتها هذا التوهان الذي نحن فيه.

حمدوك يحتاج أولاً للتريث ودراسة الملفات بشكل متأنٍ واستبدال وزيرة الخارجية الغائبة تماماً عن مشهد الأحداث فوراً ، والبحث عن وزير خارجية بحجم التحديات والتعقيدات التي تواجهها البلاد في هذا الملف وغيره من الملفات الإقليمية ..

وزير خارجية يفهم ماذا تريد الولايات المتحدة بالضبط ويحسم مسلسل الإبتزاز والإستنزاف الذي تتورط فيه بلادنا مع الأمريكان.

صحيفة اليوم التالي


انضم لقروب النورس نيوز على واتسب 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *