آراء و مقالات

بينما يمضي الوقت …. والعافين عن الناس،، أحفاد المك نمر نموذجا …. أمل أبوالقاسم

في عام 1820م عندما غزت قوات والي مصر العثماني بلاد السودان بقيادة إبنه “إسماعيل باشا” ودانت له بربر ودنقلا ومملكة الشايقية وغيرها استدعى الباشا ملك الجعليين “المك نمر” إلى شندي لتقديم ولاء الطاعة إلا أن الباشا ارسل إبنه نيابة عنه الأمر الذي أثار شكوك الباشا في ولائه فأمر بحضوره ومرافقته نحو سنار عاصمة السودان وقتها، ثم وبعد سقوطها طلب الباشا مجددا من الملك نمر تقديم ضريبة باهظة تشمل الرقيق والماشية والحبوب، وعندما اعترض المك نمر على حجم الضريبة الضخم وجه إليه الباشا إهانة بالغة دفعت المك لتدبير حيلة تم فيها قتل الباشا حرقا في خيمته. وكما هو معروف ان الحادثة افضت لحملات الدفتردار الإنتقامية التي إنتهت بالقتل والتنكيل راح ضحيته الآلاف من السودانيين وفي مقدمتهم أهالي المتمة. لم تكن هذه هي الواقعة التي لم يزعن فيها زعيم في تلكم المنطقة لأوامر الحكام الأجانب فقد فعلها أيضا “عبد الله ود سعد” زعيم الجعليين مع الخليفة عبد الله التعايشي عندما أمره بإخلاء المتمة لتعسكر فيها قوات الأمير “محمود ود أحمد” ووقعت ذات الاغتيالات على خلفية ذلك. لا ادري لم تذكرت هاتين الحادثتين ونحن نشهد أمس الأول عملية صلح في مدينة شندي بين قبيلتي (العابابدة) و(العوضية التامراب) على خلفية قتل شاب من الأخيرة على يد خمسة من الأولى منذ نحو ثلاث سنوات أو أكثر انتهت بالعفو من قبل أهل القتيل ومن ثم الصلح في حشد ضخم حضره أهالي جميع دار جعل وحكومة المركز وحكومة وادي النيل.
وللحق فقد دهشت لهذا الحشد الضخم الذي أقيم على شرف الصلح الذي وكما اسلفت أمه جمع غفير من الناس حكومة وشعبا وعلى رأسه سيادة رئيس المجلس السيادي الفريق أول “عبد الفتاح البرهان” ولا ادري حضوره على رأس وفد رفيع بصفته رأس الدولة أم بسبب انتمائه لتلكم المناطق أم الأثنين معا؟ وقد كان بصحبته عدد من أعضاء السيادي والوزراء ( الداخلية، العدل، الشئون الدينية)، إلى جانب والي الخرطوم، والمدير العام لجهاز المخابرات، مدير الشرطة، رئيس ديوان الحكم الإتحادي، فضلا عن والي الولاية اللواء ركن (عبد المحمود حماد) الذي قال بعبارة دفعني للإستشهاد بحادثة ألمك نمر وازاحت عني غموض واستفهام حضور حكومة المركز بكل اطيافها المعنية في قضية كنت احسبها بسيطة كون المتوفى شخص واحد حيث قال الوالي ضمن حديث إيجابي كثير وهم لم تفتر لهم عزيمة في الإعداد لهذا اليوم الذي أزاح ضجر وعنت وارق ليالي طوال (أن هذا العفو والصلح عمل على إخماد نار كانت سوف تقضي على الأخضر واليابس). وربما هذا ما طاف بذهني بأن ليس من المعقول أن تكون هذه الفعالية الضخمة من فراغ إذ ربما كان الجميع يترقب ويتوجس من تداعيات تنفيذ حكم القصاص الذي صدر بحق الشباب الخمسة من قبيلة العابابدة سبتمبر المنصرم. في حديث لنا مع والد الشاب “محمد” صاحب الأربع وعشرين عاما. وبحد روايته أن ثمة مشكلة نشبت بين مجموعة من الشباب بين القبيلتين عند الحدود، وفي الأثناء مر القتيل وشاهد العراك وإصابة بعضا من اقربائه بينهم خاله الذي كان واقعا على الأرض وشقيقه يتعارك فنزل وانخرط في العراك وشاءت مشيئة الله أن تزهق روحه. ثم مضت التداعيات بحبس الشباب الخمسة طيلة فترة التقاضي واستنفدوا كل الفرص القانونية حد الدستورية لكن ردت إليهم قضيتهم ليحكم فيها بالقصاص شنقا. بيد أنه وفي آخر المطاف وعند تنفيذ الحكم تراجعت أسرة القتيل وعفت تحت ضغط الجودية الذي استمر طيلة الفترة السابقة من قبل عدد مقدر من القبائل والأعيان فضلا عن (منظمة الإصلاح والمساعي الحميدة) التي ما فتئت تلح في محاولة العفو والكثيرين إلى أن تكللت المساعي بالنجاح الذي جاء مرهونا بشرط وهو مغادرة أسرة القتلة لخارج الولاية فاهداهم والي ولاية الخرطوم أربعين قطعة مقابل الأسر الهجرة من العبابدة بحسب أحدهم. كانت الاحتفائية مهيبة ومؤثرة تثير تفاصيلها القشعريرة والجميع يمدح في صنع أسرة القتيل الذين لم يفقدوا الحكمة طيلة مراحل التقاضي متحاملين على آلامهم، ولم يصغوا أو ينساقوا وراء التحريض. كما تحدثت كافة الأطراف مسؤولين والأهالي من الطرفين عن فضيلة العفو مستشهدين بالآيات والأحاديث في الصدد. وألقى والد القتيل كلمة مؤثرة أعلن عن عفوه على الملأ وقدمه كهدية لرئيس المجلس السيادي الذي كان متابعا لتطورات الأحداث منذ بدايتها.وكعادة دار جعل كان الكرم سيد المشهد حيث ذبحت مئات الخراف وعشرات النوق، كانت الفرحة بادية على الوجوه صغيرهم وكبيرهم. ولم ينسى المسؤولين دعم المصابين الذين خلفتهم الحادثة فتبرع المدير العام لجهاز المخابرات بدراجة بخارية لشقيق القتيل، فيما تبرعت جهة ما لخاله بأربعة مليارات جنيه. نترحم على القتيل ونتمنى أن يربط الله على قلب ذويه بالصبر الجميل.


انضم لقروب النورس نيوز على واتسب 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *