آراء و مقالات

للعطر افتضاح د. مزمل أبو القاسم سيرة الوثيقة الخفية

ثم ماذا بعد أن أقر نصر الدين عبد الباري، وزير العدل بوجود نسختين من الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية؟
التصريح خطير بمعنى الكلمة، إذ يثبت صحة كل ما كُتب عن تعرض الوثيقة الدستورية إلى الجرح والتعديل بعد توقيعها، كما ينفي حديثاً ردده بعض قادة قوى الحرية والتغيير، وزعموا فيه أن تعديل الوثيقة تم قبل توقيعها، بل يطعن في نزاهة ومصداقية كل ما يصدر عنهم لاحقاً.
نصت الوثيقة في فصلها الأول، ومادتها الأولى على ما يلي: (تسمى هذه الوثيقة الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، ويعمل بها من تاريخ التوقيع عليها).
التوقيع على الوثيقة تم يوم 17 أغسطس، وبالتالي فإن النصوص التي وقع عليها حميدتي وأحمد ربيع أصبحت سارية وملزمة في لحظة التوقيع.
نصت الوثيقة في إحدى موادها على أنه لا يجوز تعديلها أو إلغاءها إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي، والمجلس التشريعي لم يظهر إلى حيز الوجود بعد، لذلك تحسبت الوثيقة لذلك الوضع، ونصت على ما يلي: (إلى حين تشكيل المجلس التشريعي تؤول صلاحيات المجلس لأعضاء مجلسي السيادة والوزراء، يمارسونها في اجتماع مشترك، وتتخذ قراراته بالتوافق، أو بأغلبية ثلثي الأعضاء).
عندما تم التعديل المزعوم لم يكن هناك مجلس للوزراء، وبالتالي تنتفي احتمالية التعديل في اجتماع مشترك يجمع المجلسين، وتنتفي شرعية التعديل نفسه، لأنه لم يتم بالنهج الذي نصت عليه الوثيقة.
ورد النص المذكور في المادة (25) الفقرة الثالثة من الوثيقة المعلنة، وبالطبع لن يكون بمقدورنا أن نحدد هوية المادة نفسها في الوثيقة المعدلة، لأنها ظلت طي الكتمان، ولم تنشر على الملأ مطلقاً.
هذا الوضع غريب بمعنى الكلمة، لأنه يعني ببساطة أننا محكومون بوثيقة خفية، لا نعلم عن تفاصيلها شيئاً، وإخفاء الوثيقة يطعن في شرعيتها، بل يبطلها بالكامل.
نصت الوثيقة في مادتها الثانية (باب الأحكام العامة) على إلغاء دستور السودان الانتقالي للعام 2005 ودساتير الولايات، على أن تظل القوانين السارية بموجبهما سارية المفعول ما لم تلغ أو تعدل.
يؤكد النص أن قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لعام 1975 ما يزال سارياً، لأنه لم يلغ ولم يعدل بعد، وقد نص في مادته الخامسة على ما يلي: (تعتبر النسخة الواردة في الجريدة الرسمية النسخة المعتمدة لأي قانون وتأخذ المحاكم علماً قضائياً بالقانون كما ورد فيها ولا يجوز أن يُعتد بأي نسخة أخرى على أنه إذا تم نشر القانون في طبعة مراجعة يُعتد بالنسخة الواردة في الطبعة المراجعة)، كما نص في المادة (9) على ما يلي: (يجب أن ينشر كل قانون في الجريدة الرسمية في ظرف أسبوعين من تاريخ إصداره، ويسري القانون ويعمل به بعد مضي شهر من تاريخ نشره ما لم ينص فيه على تاريخ آخر).

الوثيقة الدستورية (بنسختيها المعلنة والمدسوسة) لم تنشر في الجريدة الرسمية بعد، ولم تأخذ المحاكم علماً قضائياً بها، ولم تكتسب شرعية تؤدي إلى سريانها، وبالتالي تصبح كل التدابير والإجرءات القرارات التي اتخذت بموجبها باطلة، بما في ذلك تكوين مجلسي السيادة والوزراء وأي قرارات أخرى اتخذت بعدها، أو بواسطة المؤسسات التي تكونت بموجبها.

مع ذلك كله أعلن وزير العدل أمس أنه أفتى للمجلس السيادي بأحقيته في تعيين رئيس القضاء والنائب العام، مع أن ما ذكرنها أعلاه يؤكد أن تعيين وزير العدل نفسه باطل، لأنه صدر بموجب وثيقة غير شرعية.

لا ندري كيف تريد قوى الحرية والتغيير أن تقيم أركان دولة القانون، وتقهر الظلم وتنشر العدل، بوثيقة أبطلتها بنفسها، بعد أن عبثت بها ذات ليل، وأخفتها عن عيون الناس، حتى أفقدتها شرعيتها؟
كيف يريدون أن يحكموا السودان بوثيقة فاقدة للشرعية، لا يعلم السودانيون شيئاً عن مضمونها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *